الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
269
شرح ديوان ابن الفارض
عبد اللّه بن المعتز : سقى الجزيرة ذات الطل والشجر * ودير عبدون هطال من المطر يا طالما نبهتنا للصبوح بها * في غرة الفجر والعصفور لم يطر أصوات رهبان دير في صلاتهم * سود المدارع نعارين في السحر مزنرين على الأوساط قد جعلوا * على الرؤوس أكاليلا من الشعر ( ن ) : أهل الدير هنا كناية عن الأولياء الوارثين للمقام العيسوي الروحاني من ولاية عيسى عليه السلام في الدين المحمدي الجامع لجميع مقامات الأنبياء والمرسلين قبله ، فإن الأولياء ورثة الأنبياء وهم العلماء باللّه . وقوله كم سكروا بها ، أي بهذه المدامة المذكورة من حيث أنهم تذكروها بنفوسهم وأشرفوا بها على عالم الأرواح المجردة عن الظلمات ، فزج بهم في النور المحمدي ولم يصلوا إلى المنتهى . وقوله وما شربوا منها ، أي لعدم وصولهم إليها فهم مترامون في الطريق عليها . والشرب كناية عن وصولها في سريانها في نفوسهم ، وهذا السريان بلا سريان لأن الوجود الحق يكشف عن المعدومات الكونية فلا يبقى وجود إلا وهو عين وجوده منسوب عند المعدومات إليها من فيض كرمه وجوده ، وقوله ولكنهم ، أي أهل الدير المذكورين . وقوله هموا ، أي صرفوا هممهم إلى حقيقة عينها بمحو نقطة غينها ، فكانت نقطة نفوسهم تنمحي عنهم تارة وتثبت أخرى . اه . وعندي منها نشوة قبل نشأتي معي أبدا تبقى وإن بلي العظم [ الاعراب والمعنى ] نشوة السكر ، نشاطه الحاصل في مبادي الشرب إلى أن يدخل الشارب في أوائل الغيبة . و « النشأة » بالهمز من نشأ الطفل إذا شرع في أوائل الشبوبية بالارتقاء عن مرتبة الطفولية ، والدخول في مبادى الشبوبية . فهو يقول رضي اللّه عنه إن نشوة سكري وخفة طربي قد كانت معي قبل نشأتي في مبادي عمري . والضمير في منها للمدامة . و « معي » متعلق بتبقى و « أبدا » كذلك . وقوله « وإن بلي العظم » الواو للعطف على مقدر أي إن لم يبل العظم ، وإن بلي أو هي للحال أو للاعتراض بناء على ما يقوله أهل المعاني كما قررناه في شرحنا هذا غير مرة . « وإن » هنا وصلية لا تحتاج إلى جواب لكونها وردت لمحض التوكيد ، وتقوية للكلام والتجديد . و « بلي » على وزن فرح من البلى بكسر الباء والقصر وهو خلاف الجدة . وهذا البيت مشهور وبالمحاسن مذكور مشتمل على معنى بديع ، وهو أن نشوة هذه المدامة حصلت عنده من مبادي عمره ، وهي لا تزال باقية في داخل سره وإن حصل الحمام وبليت العظام فهي من المهد إلى